فصل: تفسير الآيات (15- 19):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: معالم التنزيل المشهور بـ «تفسير البغوي»



.تفسير الآية رقم (12):

{لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (12)}
قوله عز وجل: {لَوْلا} هلا {إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِم} بإخوانهم {خَيْرًا} قال الحسن: بأهل دينهم لأن المؤمنين كنفس واحدة، نظيره قوله تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم} [النساء- 29] {فسلموا على أنفسكم} [النور- 61]. {وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ} أي كذب بين.

.تفسير الآيات (13- 14):

{لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (13) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (14)}
{لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} أي: على ما زعموا، {فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِفَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ} فإن قيل: كيف يصيرون عند الله كاذبين إذ لم يأتوا بالشهداء ومن كذب فهو عند الله كاذب سواء أتى بالشهداء أو لم يأت؟ قيل: {عند الله} أي: في حكم الله وقيل: معناه كذبوهم بأمر الله وقيل: هذا في حق عائشة، ومعناه: أولئك هم الكاذبون في غيبي وعلمي. {وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ} خضتم {فيه} من الإفك {عَذَابٌ عَظِيمٌ} قال ابن عباس أي: عذاب لا انقطاع له، يعني: في الآخرة، لأنه ذكر عذاب الدنيا من قبل، فقال تعالى: {والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم}، وقد أصابه، فإنه جلد وحد. وروت عمرة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية حد أربعة نفر: عبد الله بن أبي، وحسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش.

.تفسير الآيات (15- 19):

{إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15) وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (17) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (18) إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (19)}
قوله عز وجل: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ} تقولونه، {بِأَلْسِنَتِكُم} قال مجاهد ومقاتل: يرويه بعضكم عن بعض. وقال الكلبي: وذلك أن الرجل منهم يلقى الرجل فيقول بلغني كذا وكذا يتلقونه تلقيا، وقال الزجاج: يلقيه بعضكم إلى بعض، وقرأت عائشة {تلقونه} بكسر اللام وتخفيف القاف من الولق وهو الكذب، {وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا} تظنون أنه سهل لا إثم فيه، {وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ} في الوزر. {وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ} هذا اللفظ هاهنا معناه التعجبُ {هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} أي: كذب عظيم يبهت ويتحير من عظمته. وفي بعض الأخبار أن أم أيوب قالت لأبي أيوب الأنصاري: أما بلغك ما يقول الناس في عائشة؟ فقال أبو أيوب: سبحانك هذا بهتان عظيم فنزلت الآية على وفق قوله. {يَعِظُكُمُ اللَّهُ} قال ابن عباس رضي الله عنهما: يحرم الله عليكمُ وقال مجاهد: ينهاكم الله. {أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} {وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ} في الأمر والنهي، {وَاللَّهُ عَلِيمٌ} بأمر عائشة وصفوان، {حَكِيم} حكم ببراءتهما. قوله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ} يعني: تظهر، ويذيع الزنا، {فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ} يعني عبد الله بن أبي وأصحابه المنافقين، والعذاب في الدنيا الحد، وفي الآخرة النار، {وَاللَّهُ يَعْلَمُ} كذبهم وبراءة عائشة وما خاضوا فيه من سخط الله {وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}.

.تفسير الآيات (20- 22):

{وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (20) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (21) وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (22)}
{وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} جواب لولا محذوف، أي: لعاجلكم بالعقوبة، قال ابن عباس: يريد مسطحا، وحسان، وحمنة. قوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ} أي: بالقبائح من الأفعال، {وَالْمُنْكَر} ما يكرهه الله عز وجل، {وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا} قال مقاتل: ما صلح. وقال ابن قتيبة: ما طهر، {مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ} والآية على العموم عند بعض المفسرين، قالوا: أخبر الله أنه لولا فضله ورحمته بالعصمة ما صلح منكم أحد. وقال قوم: هذا الخطاب للذين خاضوا في الإفك، ومعناه: ما طهر من هذا الذنب ولا صلح أمره بعد الذي فعل، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء، قال: ما قبل توبة أحد منكم، {أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي} يطهر، {مَنْ يَشَاءُ} من الذنب بالرحمة والمغفرة، {وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} قوله عز وجل: {وَلا يَأْتَلِ} أي: ولا يحلف، وهو يفتعل من الألية وهي القسم، وقرأ أبو جعفر: {يتأل} بتقديم التاء وتأخير الهمزة، وهو يتفعل من الألية. {أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ} يعني أبا بكر الصديق {أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} يعني مسطحا، وكان مسكينا مهاجرا بدريا ابن خالة أبي بكر، حلف أبو بكر أن لا ينفق عليه، {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا} عنهم خوضهم في أمر عائشة، {أَلا تُحِبُّونَ} يخاطب أبا بكر، {أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} فلما قرأها النبي صلى الله عليه وسلم على أبي بكر قال: بلى أنا أحب أن يغفر الله لي، ورجع إلى مسطح نفقته التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبدا.
وقال ابن عباس والضحاك: أقسم ناس من الصحابة فيهم أبو بكر أن لا يتصدقوا على رجل تكلم بشيء من الإفك ولا ينفعوهم، فأنزل الله هذه الآية.

.تفسير الآية رقم (23):

{إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (23)}
قوله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} العفائف، {الغافلات} عن الفواحش، {المؤمنات} والغافلة عن الفاحشة أي: لا يقع في قلبها فعل الفاحشة وكانت عائشة كذلك، قوله تعالى: {لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ} عذبوا بالحدود وفي الآخرة بالنار، {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} قال مقاتل: هذا في عبد الله بن أبي المنافق. روي عن خصيف قال: قلت لسعيد بن جبير: من قذف مؤمنة يلعنه الله في الدنيا والآخرة؟ فقال ذلك لعائشة خاصة.
وقال قوم: هي لعائشة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة دون سائر المؤمنات. روي عن العوام بن حوشب عن شيخ من بني كاهل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: هذه في شأن عائشة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة ليس فيها توبة، ومن قذف امرأة مؤمنة فقد جعل الله له توبة ثم قرأ: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء} إلى قوله: {إِلا الَّذِينَ تَابُوا} فجعل لهؤلاء توبة، ولم يجعل لأولئك توبة.
وقال الآخرون: نزلت هذه الآية في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وكان ذلك حين نزلت الآية التي في أول السورة {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء} إلى قوله: {فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} فأنزل الله الجلد والتوبة.

.تفسير الآيات (24- 26):

{يَوْمَ تَشْهَد عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (25) الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (26)}
{يَوْمَ تَشْهَدُ} قرأ حمزة والكسائي بالياء لتقديم الفعل، وقرأ الآخرون بالتاء، {عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ} وهذا قبل أن يختم على أفواههم، {وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم} يروى أنه {تختم} الأفواه فتتكلم الأيدي والأرجل بما عملت في الدنيا. وقيل: معناه تشهد ألسنة بعضهم على بعض وأيديهم وأرجلهم، {بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} {يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ} جزاءهم الواجب. وقيل: حسابهم العدل. {وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ} يبين لهم حقيقة ما كان يعدهم في الدنيا. قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: وذلك أن عبد الله بن أبي كان يشك في الدين فيعلم يوم القيامة أن الله هو الحق المبين. قوله عز وجل: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ} قال أكثر المفسرين: الخبيثات من القول والكلام للخبيثين من الناس. {وَالْخَبِيثُون} من الناس، {لِلْخَبِيثَاتِ} من القول، والكلام، {وَالطَّيِّبَاتُ} من القول، {لِلطَّيِّبِينَ} من الناس، {وَالطَّيِّبُونَ} من الناس، {لِلطَّيِّبَاتِ} من القول، والمعنى: أن الخبيث من القول لا يليق إلا بالخبيث من الناس والطيب لا يليق إلا بالطيب من الناس، فعائشة لا يليق بها الخبيثات من القول لأنها طيبة رضي الله عنها فيضاف إليها طيبات الكلام من الثناء الحسن وما يليق بها.
وقال الزجاج: معناه لا يتكلم بالخبيثات إلا الخبيث من الرجال والنساء ولا يتكلم بالطيبات إلا الطيب من الرجال والنساء، وهذا ذم للذين قذفوا عائشة، ومدح للذين برؤوها بالطهارة.
وقال ابن زيد: معناه الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء أمثال عبد الله بن أبي والشاكين في الدين، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من النساء. يريد عائشة طيبها الله لرسوله الطيب صلى الله عليه وسلم.
{أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ} يعني: عائشة وصفوان ذكرهما بلفظ الجمع كقوله تعالى: {فإن كان له إخوة} [النساء- 11] أي: إخوان. وقيل: {أولئك مبرؤون} يعني الطيبين والطيبات منزهون، {مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} فالمغفرة هي العفو عن الذنوب، والرزق الكريم: الجنة.
وروي أن عائشة كانت تفتخر بأشياء أعطيتها لم تعطها امرأة غيرها، منها أن جبريل أتى بصورتها في سرقة من حرير، وقال هذه زوجتك. وروي أنه أتى بصورتها في راحته وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتزوج بكرا غيرها، وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأسه في حجرها، ودفن في بيتها، وكان ينزل عليه الوحي وهو معها في لحافه، ونزلت براءتها من السماء، وأنها ابنة خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصديقه، وخلقت طيبة، ووعدت مغفرة ورزقا كريما.
وكان مسروق إذا روى عن عائشة يقول: حدثتني الصديقة بنت الصديق حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم المبرأة من السماء.

.تفسير الآية رقم (27):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27)}
قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} قيل: معنى قوله: {حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا} أي: حتى تستأذنوا وكان ابن عباس يقرأ حتى تستأذنوا ويقول: تستأنسوا خطأ من الكاتب. وكذلك كان يقرأ أبي ابن كعب، والقراءة المعروفة تستأنسوا وهو بمعنى الاستئذان. وقيل: الاستئناس طلب الأنس، وهو أن ينظر هل في البيت إنسان فيؤذنهم إني داخل. وقال الخليل: الاستئناس الاستبصار من قوله: آنست نارا، أي: أبصرت. وقيل: هو أن يتكلم بتسبيحة أو تكبيرة أو يتنحنح، يؤذن أهل البيت.
وجملة حكم الآية: أنه لا يدخل بيت الغير إلا بعد السلام والاستئذان. واختلفوا في أنه يقدم الاستئذان أم السلام؟ فقال قوم: يقدم الاستئذان فيقول: أأدخل سلام عليكم، لقوله تعالى: {حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا} أي: تستأذنوا، {وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا} والأكثرون على أنه يقدم السلام فيقول: سلام عليكم أأدخل. وفي الآية تقديم وتأخير تقديرها: حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا. وكذلك هو في مصحف عبد الله بن مسعود. وروي عن كلدة بن حنبل قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم ولم أسلم ولم أستأذن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ارجع فقل: السلام عليكم أأدخل.
وروي عن ابن عمر أن رجلا استأذن عليه فقال: أأدخل؟ فقال ابن عمر: لا فأمر بعضهم الرجل أن يسلم فسلم فأذن له.
وقال بعضهم: إن وقع بصره على إنسان قدم السلام، وإلا قدم الاستئذان، ثم سلم، وقال أبو موسى الأشعري وحذيفة: يستأذن على ذوات المحارم، ومثله عن الحسن، وإن كانوا في دار واحدة يتنحنح ويتحرك أدنى حركة.
أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد عبد الله بن بشران، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، أخبرنا أحمد بن منصور الرمادي، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن سعيد الجريري، عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: سلم عبد الله بن قيس على عمر بن الخطاب ثلاث مرات فلم يأذن له فرجع فأرسل عمر في أثره فقال: لم رجعت؟ قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا سلم أحدكم ثلاثا فلم يجب فليرجع». قال عمر: لتأتين على ما تقول ببينة وإلا لأفعلن بك كذا وكذا غير أنه قد أوعده، قال: فجاء أبو موسى الأشعري ممتقعًا لونه وأنا في حلقة جالس، فقلنا: ما شأنك؟ فقال: سلمت على عمر، فأخبرنا خبره، فهل سمع أحد منكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: نعم كلنا قد سمعه، قال فأرسلوا معه رجلا منهم حتى أتى عمر فأخبره بذلك.
ورواه بسر بن سعيد عن أبي سعيد الخدري، وفيه: قال أبو موسى الأشعري: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع». قال الحسن: الأول إعلام والثاني مؤامرة، والثالث استئذان بالرجوع.

.تفسير الآية رقم (28):

{فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (28)}
قوله عز وجل: {فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا} أي: إن لم تجدوا في البيوت أحدا يأذن لكم في دخولها فلا تدخلوها، {حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا} يعني: إذا كان في البيت قوم فقالوا: ارجع فليرجع ولا يقف على الباب ملازما، {هُوَ أَزْكَى لَكُمْ} يعني: الرجوع أطهر وأصلح لكم، قال قتادة: إذا لم يؤذن له فلا يقعد على الباب فإن للناس حاجات، وإذا حضر ولم يستأذن وقعد على الباب منتظرا جاز.
وكان ابن عباس يأتي باب الأنصار لطلب الحديث فيقعد على الباب حتى يخرج، ولا يستأذن، فيخرج الرجل ويقول: يا ابن عم رسول الله لو أخبرتني، فيقول: هكذا أمرنا أن نطلب العلم وإذا وقف فلا ينظر من شق الباب إذا كان الباب مردودا: أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، أخبرنا أحمد بن منصور، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري، عن سهل بن سعد الساعدي أن رجلا اطلع على النبي صلى الله عليه وسلم من ستر الحجرة وفي يد النبي صلى الله عليه وسلم مدرى، فقال: «لو علمت أن هذا ينظرني حتى آتيه لطعنت بالمدرى في عينيه، وهل جُعِلَ الاستئذان إلا من أجل البصر».
أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، أخبرنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك جناح».
قوله تعالى: {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} من الدخول بالإذن وغير الإذن. ولما نزلت آية الاستئذان قالوا: كيف بالبيوت التي بين مكة والمدينة والشام وعلى ظهر الطريق، ليس فيها ساكن؟ فأنزل الله عز وجل: